عبد الفتاح عبد الغني القاضي
30
الوافي في شرح الشاطبية
غيره وهو هنا امتناع هلاك الكل لوجود الوفاق . والمعنى : أن الوفاق سبب الحياة الهنيئة والراحة والطمأنينة ، والاختلاف سبب الهلاك والدمار ، وفي الأمثال : لولا الوئام لهلك الأنام . 80 - وعش سالما صدرا وعن غيبة فغب * تحضّر حظار القدس أنقى مغسّلا اللغة : ( الغيبة ) بالكسر : ذكر المرء أخاه بما يكره . ( غب ) : من الغيبة بالفتح : المفارقة ضد الحضور . ( تحضّر ) : مأخوذ من حضر المبني للمفعول إذا جعل حاضرا ، و ( الحظار والحظيرة ) ما يحوط به على الماشية من أغصان الشجر لتقيها الحر والبرد . ( القدس ) : الطهر . و ( حظيرة القدس ) : الجنة . ( أنقى ) أفعل من النقاء . ( المغسل ) المغسول . و ( سالما ) : حال . و ( صدرا ) : تمييز ، و ( تحضر ) : فعل مبني للمفعول ، ونائب الفاعل ضمير المخاطب ، وجزم في جواب الأمر ، ( حظار ) ثاني مفعوليه . و ( أنقى ومغسلا ) : حالان . والمعنى : إن سالم الصدر نظيف القلب عن الغش والغل وسائر الأمراض المعنوية . ولا تحضر مواطن الغيبة ولا تشارك المغتابين إن حضرت مجالسهم ليحضرك اللّه سبحانه حظار القدس في الجنة مع عباده الأبرار منقّى من الذنوب مطهرا من العيوب . 81 - وهذا زمان الصّبر من لك بالّتي * كقبض على جمر فتنجو من البلا المعنى : أن زماننا هذا زمان الصبر ؛ لأنه قد أوذي فيه المحق ، وأكرم فيه المبطل ، وأصبح فيه المنكر معروفا ، والمعروف منكرا ، فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كالقبض على النار الموقدة . وفي ذلك إشارة لقول صلّى اللّه عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر » [ أخرجه الترمذي ] ، وقوله : فتنجو من البلا ، المراد به : العذاب الأخروي . 82 - ولو أنّ عينا ساعدت لتوكّفت * سحائبها بالدّمع ديما وهطّلا 83 - ولكنّها عن قسوة القلب قحطها * فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا اللغة : ( ساعدت ) : عاونت . ( توكفت ) : من الوكف وهو القطر من وكف البيت إذا هطل . ( والسحائب ) : جمع سحابة ، والمراد المدامع ، شبّهها بالسحائب في هطول دمعها و ( الديم ) : جمع ديمة : المطر الدائم . و ( الهطل ) : جمع هاطل ، وهو المتتابع من المطر . و ( القحط ) : الجدب . و ( السبهلل ) : الذي لا شيء معه ؛ أي فارغ . والمعنى : لو ساعدت عين صاحبها على البكاء على التقصير في طاعة اللّه تعالى لهطلت مدامعها بالدمع ، ولم ينقطع بكاها أبدا ، ولكن قلة بكائها صادرة عن قسوة القلب بسبب الغفلة عن ذكر اللّه سبحانه . فاحذروا أن تمر أعماركم في اللهو واللعب ، وما لا يعود عليكم بالنفع في الحال والمآل .